التحليلات

شريكان متنافسان: إعادة رسم العلاقة بين الرياض وأبوظبي في اليمن

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد خلال استقباله وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان في أبوظبي، 18 أكتوبر 2026. (حساب خالد بن سلمان على إكس)

01-11-2026 الساعة 9 صباحاً بتوقيت عدن

مركز سوث24 | زينة الغلابي


كان التحالف السعودي-الإماراتي منذ عام 2015 واحدًا من أهم محددات المشهد اليمني، حيث اشتركت الدولتان في دعم الحكومة المعترف بها دولياً ومواجهة تمدد جماعة الحوثيين. غير أن التطورات اللاحقة ساعدت في الكشف بصورة تدريجية عن اختلافٍ جوهري في الأولويات وأدوات العمل، أبرزت فجوة بين الرياض وأبوظبي في ملفات إقليمية مختلفة، وكان المشهد اليمني الورقة الكاشفة لهذا الخلاف الخفي.


وعلى الرغم من تصاعد التوتر في العلاقات بين الدولتين منذ العام الماضي، إلا أن العلاقة بينهما لا يمكن اختزالها في صراع صفري. والأدق هو النظر إلى كل الخلافات داخل البيت الخليجي الواحد، بما فيهم "الرياض وأبوظبي" انطلاقاً من اعتبارها شراكة استراتيجية - محركها الأساسي قدرية الجغرافيا – واجهت خلافاً في تقدير المصالح والتهديدات في الملف اليمني، لكن دوافع التنسيق ستظل باقية رغم تعليقها حتى اللحظة.


شراكة تحكمها الأهداف المتقاطعة والمخاوف المتبادلة


دخلت كل من السعودية والإمارات الحرب في اليمن تحت هدف معلن في ظاهره استعادة مؤسسات الدولة ومنع الحوثيين من تكريس انقلابهم إلى واقع سياسي يتعامل معه العالم. لكن الموقع الجغرافي الفاعل لكلا الدولتين على الأراضي اليمنية، أسهم بشكل أو بآخر بتشكيل أولويات مختلفة. السعودية تنظر إلى الجزء الشمالي من اليمن كعمق أمني مباشر، بسبب الحدود البرية الطويلة. بينما أدارت الإمارات الملف الأمني والعسكري في جنوب اليمن، وبدت أولوياتها أمن الملاحة ومكافحة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب الذي أصبح مركزه جنوب اليمن تحديداً، كذلك حماية الموانئ والممرات البحرية الممتدة من خليج عدن إلى باب المندب والبحر الأحمر.


وعلى أساس هذا التقاسم في المهام السعودية-الإماراتية، ذهبت كلتا الدولتين لدعم وبناء قدرات القوى المحلية، فتولت الإمارات دعم قوات محلية ذات قيادة وهوية متماسكة نسبيًا، مثل الحزام الأمني والنخب وألوية العمالقة والمقاومة الوطنية. أما السعودية فاعتمدت زمنًا أطول على الجيش الحكومي والقبائل وشبكات الشرعية المتعددة، ثم اتجهت منذ 2022 إلى بناء نموذج أكثر تماسكًا من خلال قوات درع الوطن.


التقت كل من الرياض وأبوظبي بعد تحولات المنطقة في العام 2011، في نقطة جوهرية أساسها "رفض الإخوان المسلمين"، وظهر بوضوح في وقوفهما مع مصر في 2013، وموقفهما الموحد من الأزمة مع قطر في 2017، إلا أن ذات الملف تحول لاحقاً إلى واحدًا من الملفات الخلافية. الموقف من حزب التجمع اليمني للإصلاح سمح باتساع الفجوة بين الرياض وأبوظبي، حيث ظلت الإمارات تتبنى موقفاً صارماً من جماعة الإخوان المسلمين، وتعتبره تهديد سياسي وأمني لمفهوم الاستقرار الإقليمي، وأن تمكين قوى مرتبطة به سياسياً وتنظيمياً داخل المؤسسات العسكرية والسياسية يعيد إنتاج مشكلات سابقة، حتى وإن اقتصرت مرحلياً على مواجهة الحوثيين. بينما السعودية لم تتبن رسمياً تحالف أيديولوجيا مع الإخوان المسلمين، إلا أنها استمرت في التعامل بصورة عملية مع شخصيات وقوى محسوبة عليها باعتبارها جزءًا من الحكومة المعترف بها دولياً ومن النسيج القبلي والسياسي المناهض للمعسكر الحوثي، تحديداً في محافظة مأرب، ومحافظة تعز.


ولكن، وإن شكلت ورقة الإخوان المسلمين أحد أوجه الخلاف الظاهرة في السودان واليمن، فإنها لا تفسّر كل خلاف سعودي-إماراتي، لأن هناك أيضاً تنافساً اقتصادياً وإقليمياً، تجلّى بوضوح في انسحاب أبوظبي من منظمة أوبك وتحالف أوبك+ اعتباراً من مايو 2026، بعد سنوات من التململ من قيود الإنتاج التي تقودها الرياض، واختلافاً في أدوات النفوذ التي يعتمدها كل طرف، فضلاً عن التصوّر العام لشكل النظام الإقليمي ككل.


وقد انتقل هذا التباين من مستوى التنافس الصامت إلى مستوى الاحتكاك المباشر في اليمن، حيث شكلت تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت والمهرة في نهاية 2025، الاختبار الأصعب للعلاقة الثنائية في اليمن. فمن وجهة نظر السعودية، رأت أن أي تغيير عسكري قرب حدودها يمس أمنها مباشرة. وعلى الرغم من نفي الامارات رسمياً توجيه أو دفع أي طرف للتحرك على حدودها، وتأكيد المجلس الانتقالي الجنوبي على أن تحركاته نحو حضرموت والمهرة مدفوعة بأسباب لا علاقة لها بكونه طرفاً محلياً فاعلا ضد المعسكر الحوثي بقيادة المملكة، إلا أن الرياض قررت التصعيد بشن هجمات جوية، على ناقلات شحن إماراتية، وأخرى على القوات الجنوبية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت والمهرة.


 وتوالت الأحداث إلى أن قادت الحكومة اليمنية المعترف بها، الإمارات للانسحاب من ملف مكافحة الإرهاب في اليمن، وقدمت الحكومة ورقة مجانية رابحة – دون قصدٍ مباشر- لعودة نشاط تنظيم القاعدة في حضرموت وأبين وشبوة ومأرب، ومنح الحوثيين استفادة قصوى لعودة نشاط تهديد الملاحة البحرية.


في كلٍ من اليمن والسودان، تُؤخذ مخاوف الرياض بالاعتبار، نظراً لتماسّ اليمن مع حدود المملكة البرية والبحرية بشكل مباشر، ووقوع السودان على الضفة المقابلة لساحلها على البحر الأحمر. وهذا قد يحدّ من خيارات أبوظبي السياسية والعسكرية، ومن شبكة نفوذها المحلية، كما في اليمن مثلاً. فالسعودية تميل إلى التعامل مع الحكومات المركزية، وإعطاء أولوية قصوى لأمن حدودها، والذهاب نحو الردع (حضرموت نموذجاً)، لأن الاستقرار في محيطها شرط لنجاح رؤية 2030. بينما السياسة الإماراتية، تخدمها الجغرافية البعيدة ما يجعلها أكثر استقلالية وجرأة في بناء شراكاتها، وتعتبر الاعتماد على حكومات ضعيفة أو مخترقة من الإسلاميين أكثر كلفة من بناء علاقات مع قوى محلية منضبطة وجادة في مكافحة الإرهاب أو حماية المصالح البحرية. وبالنظر إلى الدوافع والأولويات والحتمية الجغرافية لكلا البلدين، يمكن تفسير كيفية تعاطي كل منهما مع القضايا الإقليمية.


صعوبة استعادة الثقة العملياتية بين البلدين


اكتسب لقاء محمد بن زايد مع وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان في أبوظبي يوم 18 أكتوبر أهمية إضافية لأنه وقع في اليوم نفسه تقريبًا الذي أعلن فيه مجلس الدفاع الوطني المصري دعمه للمملكة العربية السعودية. وسبقه بفترة، منذ منتصف سبتمبر طلب الرياض من فرنسا وبريطانيا وباكستان ومصر دعمًا في مجال الدفاع الجوي لمواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية وفقاً لتقارير، أي قبل لقاء محمد بن سلمان ومنصور بن زايد في الرياض في 29 سبتمبر.


لا توجد مؤشرات كافية ترجح إمكانية عودة الإمارات إلى التحالف العسكري في اليمن، أو بوادر اتفاق دفاع جوي مشترك، ولا إشارة واضحة لتسوية الخلاف المتعلق بالمجلس الانتقالي والجنوب حصرًا، حتى عقب ظهور عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي، ونوايا الرياض المعلنة في السابق لاستهدافه.


 بعد أن سيطرت السعودية عقب يناير 2026 على معظم التشكيلات العسكرية في الجنوب، وأصبحت ممولها الرسمي، لم تعد بحاجة إلى من يعاونها في بناء القدرات الدفاعية للقوات اليمنية المحلية، وأصبحت أكثر احتياجاً لدفاع جوي وطائرات مقاتلة مساندة، وقدرات بحرية في البحر الأحمر لديها القابلية للعمل تحت قيادة أو تنسيق سعودي، وبدت مصر هي الأنسب لهذه المهمة لأنها تمتلك أكبر جيش عربي -حتى لو لم تتدخل برياً- وقوات بحرية عاملة في البحر الأحمر. والأهم من ذلك، فإن مصر لا ترتبط بأي تشكيلات يمنية محلية متنافسة، بل تراقب التوترات في باب المندب من عدسة قناة السويس والأمن البحري المصري، وتعتبر تدخلها ليس خدمة للرياض وحدها، بل دفاع عن مصلحة قومية مصرية أيضًا، واليمن بمنافذها البحرية والبرية لم تعد ساحة تنافس مصري -سعودي كما كان الحال عليه في الستينات، بل أصبحت الآن هماً مشتركا من القاهرة إلى الرياض.


الملف اليمني ليس وحده ما يعيق عودة الثقة بين الرياض وأبوظبي، فمن دون تفاهم في السودان ستبقى المصالحة السعودية–الإماراتية محدودة، فعلى الرغم من نفي الإمارات رسمياً تقديم أي دعم عسكري لقوات الدعم السريع، إلا أن الرياض تنظر إلى أمن الساحل السوداني باعتباره جزءًا من أمن البحر الأحمر، وسبق ووجّهت الرياض انتقادات غير مسمّاة إلى التدخل الخارجي، فُسرت من قبل أطراف مراقبة أنها تستهدف ضمنيًا داعمي قوات الدعم السريع، ومنهم أبوظبي حسب الإدانات الصريحة من قبل الحكومة السودانية المدعومة دبلوماسياً من كلٍ من مصر والسعودية.


يمكن وصف التطورات في العلاقة السعودية- الإماراتية مؤخرًا بالمصالحة الدبلوماسية، لكن من غير المرجح أن تجمعهما ساحة قتالية واحدة في اليمن بمستوى من الثقة العملياتية المتبادلة التي دخلتا بها اليمن في2015؛ لأن الخلاف الخليجي قد تجاوز تقاسم الأدوار القيادية في اليمن، و وجهات النظر في السودان، وشكل العلاقات مع الفاعلين في القرن الأفريقي، ليشمل الاصطفاف في قطبي الحرب الإيرانية – الأمريكية، وفقدان الثقة في حدود الانخراط الدبلوماسي والتفاوضي للرياض مع طهران من وجهة نظر إماراتية، وعائد التكلفة على أمن المنطقة من الشراكة الأمنية بين أبوظبي وتل أبيب من وجهة نظر سعودية.


من المحتمل أن ذهاب وزير الدفاع السعودي إلى طهران يتجاوز مساعي خفض التصعيد المعلنة، وقد يقود إلى ضبط سلوك الحوثيين عسكرياً. وما يبدو أن الرياض قد سلمت به بعد طول المواجهات العسكرية مع الحوثيين، أن أي تأثير جدي في سلوك جماعة الحوثي يحتاج إلى دور إيراني وعُماني.


السيناريو المستبعد أن تنتهي التفاهمات السعودية - الإيرانية إلى بقاء الحوثيين قرب باب المندب، وقبول المملكة ببقاء تجارتها وصادراتها النفطية تحت تهديد دائم، وإعطاء طهران ورقة ضغط إضافية على العالم عبر الحوثيين في باب المندب، أو السماح للعالم بالتعامل مع الحوثيين كسلطة عملية، وانتهاء الأهداف التي قامت سردية الحرب على ضوئها.


أقرب التقديرات الممكن تصورها لباب المندب، أن لا تنخرط أي أطراف إقليمية ودولية في جعل أمن الملاحة رهينة تفاهمات مؤقتة قابلة للانهيار في أي لحظة، وأن تلعب الوساطة العمانية-الإيرانية دورًا في الإبقاء على مكتسبات الحوثيين الإدارية والسياسية في أجزاء من الساحل الغربي، بالإضافة إلى مكاسب سياسية واقتصادية، واحتفاظهم بنفوذهم في صنعاء والحديدة، وقبول المملكة ذلك شرط تواجد القوات الحكومية التابعة لها في المواقع الأقرب إلى الممر.


ومع استحالة عودة القوات الجنوبية ذات الارتباط الوثيق بالإمارات بالصورة نفسها التي كانت قائمة قبل عام 2026، واتساع الخلافات بين أبوظبي والرياض في عدد من الملفات الإقليمية، من المرجح أن تكتفي الإمارات بدور المراقب الحذر في اليمن، وتحمي مصالحها من خلال شبكة الموانئ والاستثمارات والشراكات البحرية التي بنتها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، مع الاحتفاظ بعلاقاتها السياسية مع القوى الجنوبية القريبة منها.


 ومن المستبعد أن تكون الإمارات مستعدة للعودة في انخراط عسكري أو مالي لمساندة الخيارات السعودية من دون الاتفاق مسبقاً على وضع الجنوب، وأمن باب المندب، وحدود النفوذ الحوثي. فبعد انتقال الملف اليمني إلى مسقط، أصبحت الإمارات خارج الدائرة الرئيسية لإدارة الملف، وإن بقيت مصالحها الاستراتيجية حاضرة. لذلك سيكون موقفها الأقرب هو دعم أي تسوية ممكنة لحماية الملاحة ومنع سيطرة الحوثيين العسكرية على المضيق، مع تجنب تحمّل تبعات أي اتفاق تقوده المملكة.


باحثة غير مقيمة في مركز سوث24؛ تكتب في شؤون الجماعات من دون الدول

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا