ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال رعايته حفل افتتاح مرافق قاعدة الملك سلمان الجوية بالقطاع الأوسط في الرياض، 9 ديسمبر 2025 (واس).
03-11-2026 الساعة 4 مساءً بتوقيت عدن
مركز سوث24 | فريدة أحمد
تواجه الرياض اليوم معضلة صعبة، فكل الخيارات المتاحة أمامها مكلفة. فإذا قبلت التسوية بشروط الحوثيين الحالية، فإنها تمنحهم سلاماً على مقاسهم، يكافئهم على التصعيد ويؤجل الحرب بدل أن ينهيها، والاستنزاف المفتوح يستهلك اقتصادها وأمنها بلا أفق، فيما يصطدم أي خيار عسكري بمعسكر يمني حليف غير متماسك، ومظلة دفاعية إقليمية لم تُختبر بعد. وبين كلفة الحرب وكلفة التنازل، يتعين على صانع القرار السعودي أن يحدد أي الكلفتين أقل خطراً على أمن المملكة ومستقبلها.
وتكتسب المسألة إلحاحها من أن جولة التصعيد التي بدأها الحوثيون في يوليو 2026، وبلغت ذروتها في أكتوبر هي الأخطر منذ هدنة 2022. فللمرة الأولى يتعرض العمق المدني السعودي لضرب منهجي طال مطارات أبها والرياض والدمام، وأوقع الهجوم على مطار الملك خالد 13 قتيلاً وأكثر من 300 جريح، ثم امتد إلى مقر أرامكو في الظهران، وصولاً إلى سقوط شظايا فوق مكة والمدينة في 24 أكتوبر. ويرتبط هذا التصعيد مباشرة بارتدادات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في فبراير 2026، وتعثر التفاوض بعدها، ما جعل الجبهة اليمنية جزءاً من صراع إقليمي واسع النطاق.
وتجيب الورقة عن سؤال مركزي: ما الخيارات المتاحة للرياض لإنهاء الصراع، وكيف يغير انفتاح "حلف مكة" على طهران حسابات كل منها؟ وتنطلق من فرضية أن اليمن لم يعد ملفاً منفصلاً، بل جزءاً من معادلة أمن الخليج وهرمز والبحر الأحمر.
مأزق الرياض: عمق مكشوف وحلفاء غير متماسكون
يختلف هذا التصعيد عن سابقيه لأن الحوثيين يخوضونه كمعركة مصيرية حاسمة لا كجولة ضغط. فمطالبهم المعلنة والمسربة تتجاوز وقف الحرب ورفع القيود عن الموانئ والمطارات ودفع الرواتب، إلى دفع تعويضات الحرب. وهم يسعون إلى الإطباق على الساحل الغربي وباب المندب بأي ثمن، بما يمنح طهران ورقة موازية لنفوذها في مضيق هرمز. وتكشف مؤشرات ميدانية حجم هذا الرهان، أبرزها الزج بقيادات أمنية حوثية للمرة الأولى من صنعاء والحديدة وغيرها غابت عن الجبهات منذ سنوات، مثل القيادي أبو علي الحاكم الذي رُصد مؤخراً في تعز وترددت أنباء عن إصابته، وهو ما يُقرأ أيضاً دليلاً على استنزاف كبير في صفوف الجماعة.
غير أن الحوثيين ليسوا بالقوة التي يصدّرها إعلامهم، فالمناطق التي سقطت في الساحل الغربي وتعز كانت بؤر ضعف قديمة لم تُعالج من قبل السعودية، وكان سقوطها متوقعاً. إذ أحسن الحوثي اختيار التوقيت أكثر مما أظهر تفوقاً عسكرياً، إذ انقض على الرياض في لحظة انكشاف داخل معسكرات حلفائها على الأرض. فقوات طارق صالح التي انسحبت من الساحل بنتها الإمارات ودعمتها لسنوات، وإن واصلت الرياض دعمها في الأشهر الأخيرة. ويبدو أن الخلاف السعودي- الإماراتي مازال قائماً نسبياً رغم اللقاءات المتبادلة بين العاصمتين مؤخراً. وفي تعز، انسحبت قوات محسوبة على الإخوان المسلمين، من مواقع عدة وسلمت بعضها للحوثيين دون قتال، ولم تنجح الرياض في استمالتها بوقت سابق. أما في الجنوب، فقد خلّف قصف القوات الجنوبية في حضرموت مطلع عام2026 ومحاولات تفكيكها لاحقا، قاعدة شعبية ناقمة على الموقف السعودي، فضلا عن إضعاف أهم جبهة كانت تمثل سدا منيعا أمام مساع تمدد الحوثيين.
في المقابل، تملك الرياض أوراقاً مهمة؛ منها مظلة ردع جماعي عبر "اتفاقية مكة" للدفاع المشترك مع تركيا وباكستان الموقعة في 7 أغسطس، ودعماً دفاعياً غربياً، وتفويضاً من البرلمان المصري بدعم دفاعي، وغطاءً دولياً وفره البيان الرئاسي لمجلس الأمن في 15 أكتوبر. والأهم أنها تملك الورقة الاقتصادية التي يحتاجها الحوثيون فعلاً، منها الرواتب وإعادة الإعمار وفتح المطارات والموانئ. لكن هذه الأوراق تصطدم بقيود أخرى صلبة، فالبنية المدنية ومنشآت الطاقة السعودية مكشوفة أمام صواريخ ومسيرات رخيصة، وكلفة الحرب تضغط على الاستثمار والسياحة ومشروعات رؤية 2030. وأي ردع مستدام مرهون بموقف واشنطن المتقلب. كما أن حلف مكة لم يُفعل عملياً، إذ يبدو أن أنقرة وإسلام أباد تكتفيان بالدعم اللوجستي والتدريبي ولا تريدان دخول الحرب كطرف ما دامت السعودية قائدة للتحالف الذي يحارب في اليمن.
ويضاف إلى ذلك تطور قدرات الحوثيين أنفسهم؛ فقد استثمروا سنوات الهدنة في توسيع التصنيع المحلي للمسيرات وتنويع خطوط الإمداد وتعميق التنسيق مع "محور المقاومة"، وتتحدث تقارير عن خبراء من لبنان وإيران والعراق يشاركون في إدارة المعركة، فيما يطرح مراقبون مؤشرات على دعم استخباراتي من قوى كبرى، في ظل تقارير عن تزويد روسيا للحوثيين ببيانات أقمار صناعية لاستهداف السفن في البحر الأحمر، كما يفسر دقة إصابة بعض الأهداف في السعودية وجنوب اليمن خاصة شبوة وعدن مؤخراً.
بين الحسم والاستنزاف والتسوية
يتوزع الجدل في الدوائر السعودية والقريبة منها بين تيارين، الأول يرى أن الصراع بلغ نقطة اللاعودة، وأن أي تنازل جديد لن يغير موقف الحوثيين، بل يمنحهم وقتاً لتعزيز قدراتهم، وأن الجماعة تبقى ميليشيا في نهاية المطاف ويمكن هزيمتها إذا تجاوزت الرياض ترددها. والثاني عبرت عنه بعض النخب السعودية، حين عدّ الاعتراف بالحوثي ممثلاً لليمن كتعريف للمشكلة ونصف حلها، بالتزامن مع افتتاحية لصحيفة عكاظ وصفت الحكومة المعترف بها بغير المنتجة في مسألة التحرير، وبين هذين التيارين تبرز أربع خيارات، يمكن تلخيصها في الآتي:
الخيار الأول: هو الحسم العسكري عبر دعم عملية "فجر اليمن" حتى استعادة صنعاء وتفكيك القدرة الصاروخية الحوثية، وهو ما ينسجم مع خطاب مجلس الوزراء السعودي حول "إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة". ويواجه هذا الخيار معوقات حقيقية، منها تجربة "عاصفة الحزم" منذ 2015، وتفكك قوات الحكومة المعترف بها، ومخاطر الانزلاق الطائفي، وكارثة إنسانية يعاني فيها أكثر من 18 مليون يمني انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفقاً للأمم المتحدة. غير أن هذه المعوقات أيضاً تتصل بطريقة مباشرة بإدارة المعركة نفسها منذ البداية، وهي إدارة يصفها كثيرون بالفشل، لا بمبدأ الحسم ذاته؛ فمعظمها نتاج أخطاء في بناء التحالف يمكن تداركها، لا تفوق حوثي يستحيل كسره.
الخيار الثاني: هو الاستنزاف المفتوح، وهو ما سيحدث تلقائياً إن غاب القرار السياسي السعودي، إذ سيتواصل تبادل ضربات العمق بلا أفق، وتتآكل صورة المملكة كبيئة آمنة للاستثمار، وتبقى إيران ورقة ضغط حية في خاصرتها. ويرتفع احتمال هذا الخيار في حالتين: الأولى إذا فشل مسار الحوار الذي فتحه وفد حلف مكة في طهران في 26 أكتوبر، والذي يُرجح أن جزء منه جاء لدفع إيران إلى كبح الحوثيين ووقف إمدادهم بالسلاح والمال، فهذا الفشل يُسقط أقرب مخرج سياسي ويُبقي تدفق السلاح قائماً. والثانية إذا تجددت الحرب على إيران، وهو احتمال قد يرتفع بعد الانتخابات النصفية الأمريكية، إذ ستلجأ طهران حينها إلى تفعيل الجبهة اليمنية كورقة ضغط على الخليج وواشنطن، مما يؤدي إلى تصاعد الضربات على منشآت الطاقة الحيوية في المنطقة وعلى الملاحة في البحر الأحمر.
الخيار الثالث: هو التسوية بشروط الحوثيين، أي الاعتراف بهم طرفاً كلي التمثيل في شمال اليمن؛ مقابل تحرير الاقتصاد السعودي من قبضة الصواريخ. ومنطق ذلك أن المملكة دولة مركزية ومهمة في المنطقة لا تحتمل طويلاً تعطيل دورها الاقتصادي في البحر الأحمر ومضيق هرمز، وأنها تعاملت تاريخياً بواقعية مع خصومها. فقد دعمت حكم الإمامة في شمال اليمن في ستينيات القرن الماضي ضد الجمهورية، وتقول نخب سعودية إن مشكلتها مع الحوثي هي تبعيته لإيران لا غير، وهو ما يعني، وفقاً لهذا الطرح، أنه لا يهم إن كان الحوثيون طبقيين سلاليين لا يعترفون بالمواطنة المتساوية، ما دام الاتفاق معهم يكبح أي تهديد للمملكة. غير أن هذا الخيار يعني التخلي عن الحكومة المعترف بها وحلفاء الرياض المحليين، ويكافئ التصعيد في لحظة باتت فيها أهم المناطق المحاذية لباب المندب في متناول الحوثيين، فلماذا تتوقف الجماعة الدينية الآن وأمامها فريسة سهلة للانقضاض؟
الخيار الرابع: هو الجمع بين الضغط العسكري والتفاوض، أي ضغط عسكري على الساحل الغربي لانتزاع أوراق تفاوضية كالمخا وفك حصار تعز، يقابله عرض اقتصادي مشروط بوقف الهجمات العابرة للحدود نحو المملكة وإقامة منطقة عازلة، استناداً إلى خارطة الطريق التي رعتها عُمان والمبعوث الأممي السنوات الأخيرة. وقد يتسع ذلك إلى صفقة إقليمية تضمنها دول اتفاقية مكة وقطر مقابل كبح إيران للحوثيين. لكن هذا الخيار يفترض أن الحوثيين وكيل ينضبط بقرار طهران، ويتجاهل أن الهدن السابقة كانت بمثابة فرص استثمروها في بناء قدراتهم.
وإذا ما وضعت هذه الخيارات في ميزان الوقت، سيبدو الانسحاب والتسوية بشروط الحوثيين أقلها كلفة اليوم، لكنهما في الحقيقة يؤجلان الحرب ولا ينهيانها، ويتركان للرياض فاتورة أكبر في اليوم التالي. أما الاستنزاف فسينهك موارد المملكة وأمنها يوماً بعد يوم دون نهاية واضحة، والجمع بين الضغط والتفاوض لا يفعل في النهاية أكثر من منح الجماعة الدينية استراحة جديدة تعيد فيها بناء ترسانتها العسكرية.
الحسم العسكري: الخيار الذي لا يحتمل التأجيل
من المهم القول، أنه لم يعد أمام الرياض سوى استكمال المعركة حتى إخراج الحوثيين من معادلة القوة. فالحوثيون هم من فرضوا حرباً شاملة ومفتوحة، والتنازلات السابقة لم تغير موقفهم، بل منحتهم وقتاً أكبر لتعزيز قدراتهم العسكرية. والأهم من كل ذلك هو أن الجماعة مستنزفة عملياً، وإن صدّر إعلامها صورة مضخمة عن قوتها. فالزج بقيادات أمنية في أكثر من جبهة يكشف نقصاً في الكوادر القتالية واضطرارها إلى استنفاد الاحتياط القيادي. كما أن مكاسب الجماعة الأخيرة جاءت من بؤر ضعف قديمة وانسحابات بلا قتال، لا من تفوق عسكري ذاتي، ما يعني أن ميزان قوتها أضعف مما يبدو. وهذه اللحظة هي النافذة المثلى للحسم العسكري الكلي، لكنه لن يتحقق بتكرار أخطاء السنوات الماضية، بل يتطلب إعادة بناء شروطه داخلياً وميدانياً وإقليمياً.
ويمكن أن يبدأ ذلك من الداخل، بتوحيد الجبهة المناهضة للحوثيين قبل توسيع العمليات. فتسوية الخلاف مع الإمارات واستعادة التنسيق العسكري معها كفيلان بإعادة تفعيل دور قوات الساحل الغربي في المعركة إلى جانب قوات العمالقة الجنوبية ودرع الوطن، كما أن استعادة ثقة القوى الجنوبية تتطلب معالجات سياسية وعسكرية جادة، يمكن بناؤها على موقف المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي أدان رئيسه عيدروس الزبيدي مؤخراً، الاعتداءات الحوثية على الأعيان المدنية في المملكة ووصفها بـ "الإرهابية". وفي تعز، لا بد من حسم ملف القوات العسكرية الموالية للإخوان المسلمين، بإقالة القادة الذين انسحبوا من مواقعهم وسلموها للحوثيين دون قتال، كما حدث مع اللواء الرابع بقيادة أبو بكر الجبولي - تمت إقالته مؤخرا -، بما يعيد الانضباط إلى الجبهة ويصحح مسار المعركة. ويمتد هذا التصحيح إلى الإدارة المحلية، إذ لا يستقيم توحيد الجبهة مع تعيين محافظين في مناطق سيطرة الحكومة سبق أن فشلوا في إدارة المعركة، كما حصل في الجوف مؤخراً، ما يستدعي أن تمارس الرياض ضغطاً جاداً على الحكومة المعترف بها لمراجعة هذه التعيينات واعتماد الكفاءة الميدانية معياراً بدل الترضيات السياسية التي يعتمدها رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي.
وحين تتماسك الجبهة، يصبح بالإمكان توجيه الجهد العسكري نحو مراكز الثقل، بدءاً باستعادة الساحل الغربي وتأمين باب المندب، ثم فك حصار تعز، وصولاً إلى الضغط على الحديدة لقطع شريان الإمداد البحري. ولا يكتمل ذلك دون حملة منهجية على منصات الإطلاق ومخازن الصواريخ وورش تصنيع المسيرات، مع تجنب ضرب البنية المدنية حرماناً للجماعة من سردية "العدوان" وتقليصاً للكلفة الإنسانية.
غير أن الهجوم في الميدان قد لا ينجح بالنسبة للسعودية ما لم يكن عمقها محصناً، وهنا يأتي دور حلف مكة الذي ينبغي أن يتحول من التزام نظري إلى مظلة دفاعية فعلية. فإذا كانت أنقرة وإسلام أباد تتحفظان على الانخراط في القتال كون الرياض طرفاً أساسياً في الحرب، فبوسعهما الإسهام في منظومة دفاع جوي وصاروخي متكاملة تحمي المطارات والطاقة والحرمين، بما يمنح الرياض حرية إدارة المعركة دون ابتزاز اقتصادي مع حلفائها المحليين في اليمن.
ولا ينبغي التهوين من مخاطر هذا الخيار، فالكلفة البشرية والاقتصادية ستكون مرتفعة بلا شك، ومن المحتمل أن يتعرض العمقان السعودي واليمني لضربات أعنف، فضلاً عن تزايد الضغط الدولي بسبب الوضع الإنساني. لذا يجب أن يرافق الحسم خطاب سياسي يقدم المعركة كاستعادة للدولة اليمنية من الانقلاب الحوثي لا حرباً سعودية، وحزمة إغاثة وإعادة إعمار للمناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها، ومسار سياسي موازي، (شمالي-جنوبي)، بهدف حل قضية الجنوب وتحقيق تطلعات السكان هناك بدولة مستقلة. كما ينبغي الاستثمار في بناء القدرة العسكرية المحلية، بدل الرهان على تدخل أمريكي مباشر أو استقدام قوى خارجية تحمل أيديولوجيا جهادية، لن تزيد المشهد اليمني إلا تعقيداً.
في المحصّلة، لا تكمن المسألة في الاختيار بين الحرب والسلام، بل بين حرب تحسم اليوم بشروط الرياض والحوثيون في ذروة استنزافهم، وحرب مؤجلة تُفرض عليها غداً بشروط الحوثيين وطهران بعد أن يستعيدوا أنفاسهم. فالجماعة التي تحمل مشروعاً أيديولوجياً عابراً للحدود والمصنفة "إرهابياً" في كثير من الدول، لن تتحول إلى جار مسالم بالمال أو بالهدن، كما أن السلام المستدام في جنوب الجزيرة العربية لن يمر إلا عبر كسر قدرة الجماعة العسكرية أولاً.