مشاركون يحضرون المؤتمر التأسيسي للمجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى في المكلا، محافظة حضرموت، 31 أغسطس 2026. (مركز سوث24)
Last updated on: 19-09-2026 at 4 PM Aden Time
مركز سوث24 | عبد الله الشادلي
أُشهر «المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى» في مدينة المكلا، في 31 أغسطس، برئاسة عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم أحمد الخنبشي، في خطوة أعادت فتح النقاش حول من النفوذ السياسي داخل حضرموت ومن يملك الحق في تمثيل أبناء المحافظة وتبني أصواتهم.
وأقر المؤتمر التأسيسي المنصة السياسية واللائحة الداخلية و«ميثاق الشرف الحضرمي»، إلى جانب رؤية مقترحة للحوار الجنوبي الذي أعلنت عنه السعودية مطلع العام الجاري ولم ير النور حتى الآن. كما منح المجلس نفسه صلاحيات واسعة تشمل صياغة الرؤية السياسية لحضرموت واختيار وفودها وتمثيلها في المفاوضات المستقبلية.
ورغم تقديمه بوصفه مظلة للقوى السياسية والقبلية والاجتماعية، تأسس المجلس في ظل غياب اثنتين من أبرز القوى في المحافظة: حلف قبائل حضرموت بقيادة عمرو بن حبريش، الذي انسحب من المسار التحضيري واتجه إلى إحياء مشروعه الخاص باسم (الحكم الذاتي)، والمجلس الانتقالي الجنوبي صاحب الشعبية الأوسع في المحافظة، الذي رفض المجلس التنسيقي وعدّه محاولة مدعومة من الخارج لإعادة تشكيل التمثيل السياسي الحضرمي.
ويأتي تأسيس المجلس ضمن مسار سعودي متكرر لإنشاء أطر سياسية محلية في حضرموت، بعد تجربة «مجلس حضرموت الوطني» الذي أُعلن في الرياض عام 2023، لكنه لم ينجح في ترسيخ نفسه قوة حاسمة على الأرض. ويثير ظهور المجلس الجديد أسئلة حول علاقته بالكيان السابق، وما إذا كان سيحل محله أو يستوعبه أو يعمل إلى جانبه.
ويناقش هذا التقرير دوافع تأسيس المجلس ومدى تمثيله للتوازنات الحقيقية، وما إذا كان قادرًا على التحول إلى مظلة جامعة أم سيضيف مرجعية جديدة إلى مشهد حضرمي مزدحم أصلًا بالمجالس المتنافسة.
مجلس جديد في مشهد مزدحم
يعود المسار الرسمي لتأسيس المجلس إلى قرار أصدره الخنبشي في 2 يوليو، بتشكيل لجنة تحضيرية من 36 عضوًا ضمت شخصيات سياسية وقبلية مختلفة، من بينها رئيس الوزراء الأسبق أحمد عبيد بن دغر، ورئيس حلف قبائل حضرموت عمرو بن حبريش، ومحافظ حضرموت الأسبق أحمد سعيد بن بريك.
وأعطت تركيبة اللجنة في بدايتها انطباعًا بوجود محاولة لبناء إطار واسع، لكن انسحاب بن حبريش ورفض المجلس الانتقالي لهذه التوجهات أضعفا صورة التمثيل الشامل قبل انعقاد المؤتمر التأسيسي.
لكن مؤيدي هذا المجلس يعتقدون أنه قد يمثل فرصة. ويقول الأكاديمي والكاتب السياسي البروفيسور خالد سالم باوزير لمركز سوث24 إن الهدف من إنشاء المجلس، من وجهة نظره، هو توحيد الموقف الحضرمي استعدادًا للمفاوضات المقبلة، بما في ذلك أي حوار جنوبي. لكنه أكد أن نجاح هذا الهدف مشروط بجمع مختلف القوى وعدم إقصاء أي طرف.
ويقدم عضو المؤتمر العام للمجلس التنسيقي الحضرمي وليد بن شملان قراءة قريبة من ذلك؛ إذ يرى أن توقيت التأسيس يرتبط بالحاجة إلى ترتيب المشهد في المحافظة، في ظل تعدد المكونات وغياب جهة قادرة على تنسيق مواقفها، بالتزامن مع تصاعد النقاش حول مستقبل حضرموت وتمثيلها السياسي والأمني والاقتصادي.
وقال بن شملان لمركز سوث24 إن اختيار الخنبشي لرئاسة المجلس لم يكن عشوائيًا، فهو شخصية سياسية وإدارية معروفة وتمتلك خبرة في التعامل مع مختلف الأطراف، كما أنه أقل إثارة لحساسية بعض المكونات مقارنة بشخصيات أخرى. وأضاف أن امتلاكه سلطة رئاسية وتنفيذية يمكن أن يمنح المجلس صلاحيات تساعده على خدمة حضرموت.
وأشار باوزير إلى أن اللجنة التحضيرية ضمت ممثلين عن أحزاب ومكونات سياسية، لكنها افتقرت إلى تمثيل أوسع للأكاديميين والمستقلين، رغم أن المحافظ كان يمتلك صلاحية توسيعها. ومع ذلك، قال إن اللجنة بذلت جهدًا في التواصل مع المديريات والقوى السياسية والأكاديمية قبل انعقاد المؤتمر.
في المقابل، قال المحلل السياسي سالم المرشدي لمركز سوث24 إن توقيت الإعلان عن هذا المجلس لا يعكس حاجة نابعة من الشارع، بقدر ما يأتي ضمن ترتيبات تُفرض من الأعلى لإعادة تشكيل الإرادة السياسية في حضرموت والتأثير في استقلالية قرارها.
ويتفق معه المحلل السياسي محمد بامزعب في أن المجلس وُلد داخل بيئة مرتبطة بسلطة الأمر الواقع والدعم الإقليمي السعودي. واعتبر في حديثه لمركز سوث24 أن تشكيله محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي دون وجود رصيد شعبي واضح يضمن استمراره خارج مؤسسات السلطة.
ويأتي هذا الجدل ضمن نهج سعودي متكرر في حضرموت. ففي يونيو 2023، رعت الرياض مشاورات أفضت إلى تأسيس «مجلس حضرموت الوطني»، الذي قُدّم بوصفه حاملًا سياسيًا لتطلعات الحضارم، لكنه لم يتمكن من ترسيخ نفسه قوة حاسمة على الأرض.
ويثير إطلاق المجلس التنسيقي بعد سنوات قليلة من تأسيس مجلس حضرموت الوطني سؤالًا حول العلاقة بينهما، وما إذا كان الكيان الجديد سيحل محل المجلس السابق أو يستوعبه أو يعمل إلى جانبه، في ظل تقاطع وظائفهما المتعلقة بتمثيل حضرموت وتوحيد موقفها السياسي.
تمثيل ناقص وشرعية قيد الاختبار
يمثل غياب حلف قبائل حضرموت والمجلس الانتقالي الجنوبي نقطة ضعف أساسية أمام المجلس الجديد، إذ لا ترتبط شرعية أي إطار بعدد أعضائه أو الدعم الذي يحظى به، بقدر ارتباطها بمدى استيعابه القوى الفعلية الموجودة على الأرض.
ويقول خالد باوزير إن من المبكر الحكم على الوزن الشعبي والسياسي للمجلس، وإن تشكيل قياداته سيكون أول اختبار لشرعيته. وأضاف أنه كان يفضل انتخاب 70 بالمئة من القيادة وتعيين 30 بالمئة فقط، بدل إسناد تشكيل الهيئات كاملة إلى الرئيس.
ويعتقد أن تزكية الخنبشي لرئاسة المجلس جاءت بسبب ضيق وقت المؤتمر وغياب عملية انتخابية كاملة، معربًا عن أمله في أن يعمل لصالح هوية حضرموت وسيادتها وثرواتها وحق أبنائها في المشاركة المباشرة في صنع القرار.
ويتفق وليد بن شملان في أن ثقل المجلس سيتحدد من خلال أدائه وقدرته على الوصول إلى مختلف شرائح المجتمع. ويرى أن الدعم الرسمي أو الإقليمي يمنحه فرصة للتحرك، لكنه لا يصنع شرعية شعبية ما لم يشعر المواطن بأن المجلس يعبر عن مصالحه بعيدًا عن المحاصصة والمصالح الشخصية.
وحذر بن شملان من تحوّل المجلس إلى واجهة لقرار يأتي من خارج حضرموت أو إلى مشروع لإقصاء المكونات الأخرى، معتبرًا أن بقاءه محصورًا في إطار السلطة والدعم الإقليمي سيصعّب تحويل وزنه السياسي إلى قبول شعبي مستدام.
واستبعد باوزير أن يكون الهدف من المجلس استهداف المجلس الانتقالي الجنوبي، لكنه شدد على أنه لن يوحد حضرموت في ظل بقاء حلف قبائل حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع خارجه.
كما أشار باوزير إلى أن بعض وثائق المجلس استندت بدرجة كبيرة إلى وثائق مؤتمر حضرموت الجامع، وكان من الأفضل الاستئذان من قيادته؛ لأن الهدف ينبغي أن يكون توحيد الجهود، لا استبدال مكون بآخر.
في المقابل، يرى سالم المرشدي أن المجلس يفتقر إلى قاعدة شعبية، وأن تقديمه بوصفه مرجعية يمثل التفافًا على مكونات راكمت حضورها خلال سنوات. ويشاركه محمد بامزعب التحذير من زيادة الاستقطاب وإنتاج توترات جديدة، خصوصًا في ظل المواقف القبلية والشعبية الرافضة.
حضرموت بين ثلاثة مشاريع
يرى سالم المرشدي أن أي مسار يفصل حضرموت عن المشروع الجنوبي سيواجه رفضًا، مؤكدًا أن المحافظة جزء أساسي من الجنوب وليست مسارًا سياسيًا مستقلًا عنه. ومن وجهة نظره، فإن تعدد المرجعيات المتنافسة على تمثيل حضرموت قد يعمق الانقسام ويؤثر في استقرارها ونسيجها الاجتماعي.
أما محمد بامزعب، فيرى أن عزل حضرموت عن محيطها الجنوبي لا يعكس موقعها السياسي والجغرافي، وأن أي كيان لا يستند إلى قبول شعبي واضح سيجد صعوبة في فرض نفسه خارج مؤسسات السلطة والدعم الإقليمي. وحذر من أن التنافس على التمثيل قد يزيد الاستقطاب وينتج توترات جديدة.
ويدفع رئيس حلف قبائل حضرموت عمرو بن حبريش باتجاه مشروع الحكم الذاتي، ما يضع المحافظة أمام ثلاثة تصورات متنافسة: مجلس تنسيقي يقوده الخنبشي ويحظى بدعم رسمي وقرب من السعودية، ومشروع حكم ذاتي يستند إلى حضور قبلي، ومشروع جنوبي يمثله المجلس الانتقالي الذي أثبت في فعاليات جماهيرية حاشدة تفوقه على مستوى القاعدة الشعبية.
ويرتكز مشروع المجلس الانتقالي على إقامة دولة جنوبية فيدرالية، بما يمنح حضرموت قدرًا واسعًا من الاستقلالية ضمن نظام الأقاليم أو الولايات. ومن هذه الناحية، يتقاطع المشروع مع طرح حلف قبائل حضرموت بشأن الحكم الذاتي. غير أن الانتقالي يحدد الإطار السياسي لهذا التصور داخل دولة جنوبية، بينما لا يوضح الحلف ما إذا كان مشروعه للحكم الذاتي سيكون ضمن اليمن الحالي أم في إطار سياسي آخر.
ولا يقتصر التنافس بين هذه المشاريع على الهوية السياسية، بل يشمل من يختار ممثلي حضرموت، ومن يتفاوض باسمها، وكيف تُدار ثرواتها، وما طبيعة علاقتها بالسعودية والجنوب تنتمي إليه.
ويرى الأكاديمي والكاتب السياسي خالد باوزير أن أي وفد حضرمي ينبغي أن يضم شخصيات تمتلك خبرة سياسية ودبلوماسية وقدرة على التفاوض وانتزاع حقوق المحافظة، وأن يكون ولاؤها لحضرموت لا لمراكز القوى خارجها.
وأكد باوزير أهمية بناء علاقة استراتيجية مع السعودية، التي وصفها بالعمق التاريخي والاجتماعي والاقتصادي لحضرموت. لكنه شدد على أن التعاون مع الرياض ينبغي أن يخدم مصالح المحافظة ويحافظ على ثروتها وهويتها وقرارها السياسي.
من جانبه، يقول عضو المؤتمر العام للمجلس التنسيقي وليد بن شملان إن مصلحة المحافظة تقتضي التوقف عن التعامل معها كساحة لصراع مشاريع الآخرين، وبناء موقف مشترك تجاه حقوق حضرموت وثرواتها وأمنها ومستقبلها.
وفي الختام يمكن القول إن المجلس التنسيقي لا يبدو حلًا لأزمة التمثيل في حضرموت بقدر ما يعيد إنتاجها في إطار جديد. فالدعم الرسمي والسعودي لا يعوّض غياب قوى تمتلك حضورًا شعبيًا وقبليًا متراكمًا، كما أن تكرار إنشاء المجالس المتشابهة في وظائفها وصلاحياتها يعزز الانطباع بأن المشهد الحضرمي يُعاد تشكيله من أعلى، بدل أن ينبثق من توافق محلي حقيقي.
وفي ظل مشروع جنوبي يمتلك قاعدة جماهيرية ورؤية معلنة لموقع حضرموت داخل دولة فيدرالية، ومشروع حكم ذاتي يستند إلى حضور قبلي، يظل المجلس التنسيقي أقرب إلى ترتيب سياسي مرتبط بالسلطة والدعم الإقليمي منه إلى مرجعية حضرمية جامعة. وقد يؤدي الدفع به ممثلًا للمحافظة إلى زيادة الاستقطاب، وإضعاف استقلالية القرار الحضرمي، وإضافة مجلس آخر إلى مشهد مزدحم بكيانات تتنافس على التمثيل دون أن يمتلك أي منها تفويضًا جامعًا.