القضية الجنوبية وإشكالية الهوية (4)

كتابات رأي

الإثنين, 11-01-2021 الوقت 09:41:23 مساءً بتوقيت عدن

لقد كان واضحاً أنَّ الحديث عن "الوحدة اليمنية" يسير على مستويين:

المستوى الأول: وهو التوجه الجدي والعمل على الوصول لهذه اللحظة التاريخية باعتبارها ليست فقط وسيلة لإيقاف العلاقات العدائية بين الشعبين والبلدين الشقيقين، ولكن أداة لفتح آفاق التطور والتنمية والنهوض والديمقراطية ودولة القانون، وهذا ما كان يتصوره قادة الجنوب ويقولون به ويوثقونه في مستندات الدولة وأدبيات الحزب الحاكم، وهو ما ظل معروفاً سواء في أجواء الوئام والود مع الأشقاء في العربية اليمنية أو حتى في أجواء التوتر والتنازع، وليس صدفة أن مقولة "الوحدة قدر ومصير الشعب اليمني" كانت عنواناً رئيسيا في الخطاب السياسي الجنوبي على مدى أكثر من ربع قرن.

وبالمقابل كان الأشقاء في الشمال ينظرون إلى "الوحدة اليمنية" على إنها يمكن أن تكون وسيلة للتوسع وضم الجنوب ذي المساحة الواسعة والثروات الواعدة والسكان قليلي العدد إلى دولة العربية اليمنية، التي تكتظ بالسكان في مساحة جغرافية ضيقة لا تساوي نصف مساحة الجنوب وذات المستوى المحدود من الثروات والموارد.

المستوى الثاني: وهو المسار التكتيكي وغالباً ما كان هذا سلوك مميز لكل الذين تداولوا السلطة في الشمال منذ عهد الزعيم السلال، حتى الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، حيث يبرز هذا الموقف أثناء التوترات التي شهدتها العلاقات بين الطرفين وما أكثرها، فقد كان شعار "الوحدة اليمنية" يقفز بقوة إلى المقدمة كلما نشبت نزاعات هنا أو هناك على الحدود أو بسبب توافد النازحين عند حدوث الانقسامات الداخلية في أحد النظامين أو كليهما.

 وقد لاحظنا كيف كان نظام العربية اليمنية يرفع الشعار كوسيلة للهروب من الاستحقاقات التي تقتضيها معالجة أزماته الداخلية، ولتبرير أية سياسات قد يتخذها تجاه الجنوب، كما لاحظنا إنه قبل وأثناء مواجهات 1972م على الحدود بين الدولتين كان الحديث عن "الوحدة اليمنية" هو الخطاب الأبرز في الإعلام الشمالي، وقد تمخض عن هذه اللحظة اتفاق القاهرة بين الرئيسين سالم ربيع علي وعبد الرحمن الإرياني وبيان طرابلس بعد لقاء رئيسي وزراء البلدين محسن العيني وعلي ناصر محمد، وهذا ما تكرر مع مواجهات 1979م التي تلاها اتفاق الكويت بين الرئيسين عبد الفتاح اسماعيل وعلي عبد الله صالح، وكان هذا التوجه لدى القيادة السياسية في الشمال يمثل تعاطيا عمليا مع المقولة الشائعة "الهجوم هو خير وسيلة للدفاع".

ولا يمكن أن يفوت الحديث هنا عن الأدوار الإيجابية التي لعبها الأشقاء في جامعة الدول العربية والقيادة المصرية بالنسبة لاتفاق القاهرة، والعقيد القذافي فيما يتعلق ببيان طرابلس، ودور الأشقاء في دولة الكويت في التقريب بين قيادتي البلدين حتى توقيع اتفاقية الكويت، لكن ما تنبغي ملاحظته هنا هو أن جميع اللقاءات الثنائية كانت تخرج ببيانات فضفاضة لا تتضمن أية نصوص تلزم الطرفين بأي إجراءات عملية ملموسة عدا الحديث الجميل المنمق عن الأهمية التاريخية لـ"الوحدة اليمنية"، وكأن الطرفين كانا يذهبان وهما مضمران عدم الاتفاق على شيء سوى وقف المناوشات العسكرية وتخفيف الحملات الإعلامية ولو مؤقتاً، وهذا أمر مفهوم وطبيعي فمن المستحيل اتخاذ خطوات عملية لتوحيد طرفين يسيران في طريقين متعاكسين وينهجان نهجين متناقضين في معظم مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية عموماً. 

"تنفس نظام العربية اليمنية الصعداء باندلاع أزمة يناير 1986م في عدن، التي يقول كثيرون أن يد النظام في صنعاء لم تكن بعيدةً عن إذكائها وتسريع اشتعالها، وما تلاها من انقسام رأسي وأفقي في مؤسسات الحكم والجيش والأمن والمجتمع في الجنوب"

ولا يمكن استكمال الحديث عن هذه القضية دون التعرض لواحدة من الفترات المهمة في العلاقة بين الجمهوريتين، وهي فترة الثمانينات التي تلت توقيع بيان الكويت، حينما تولى قيادة الجنوب الرئيس علي ناصر محمد، حيث شهدت تلك الفترة تحسناً في العلاقة بين الطرفين تضمنت قيام ما عرف بـ"المجلس اليمني" الذي ضم الرئيسين وبعض الوزراء وله تشكيلات فرعية، وإيقاف المواجهات العسكرية في المناطق الوسطى (مناطق وجود ونشاط ما عرف حينها بالجبهة الوطنية) مقابل فتح المجال للنشاط الإعلامي والسياسي للجبهة ولبقية القوى المعارضة لنظام علي عبد الله صالح.

 ومع ذلك لم تكن تلك الفترة مثالية فقد كان كل من الطرفين يرقُب عيوب واختلالات الطرف الآخر، لكن نظام العربية اليمنية تنفس الصعداء باندلاع أزمة يناير 1986م في عدن، التي يقول كثيرون أن يد النظام في صنعاء لم تكن بعيدةً عن إذكائها وتسريع اشتعالها، وما تلاها من انقسام رأسي وأفقي في مؤسسات الحكم والجيش والأمن والمجتمع في الجنوب وما خلفته المواجهات من آثار مدمرة للتجربة وللمجتمع بشكل عام ونزوح قطاع كبير من القيادات السياسية والعسكرية والأمنية إلى صنعاء ليتخذ منها النظام في العربية اليمنية وسيلة لابتزاز الجانب الجنوبي، وهذه القضية تتضمن تفاصيل عديدة قد يطول الحديث فيها لكن يمكن التوقف عندها في إطار دراسة أخرى.

كلمات مفتاحية: الجنوب العربي الهوية الجنوبية العربية اليمنية