الخطر لم ينتهِ بعد.. إخوان اليمن بين الاستبداد والليبرالية

الخطر لم ينتهِ بعد.. إخوان اليمن بين الاستبداد والليبرالية

التقارير الخاصة

الأحد, 20-12-2020 الوقت 02:52:54 مساءً بتوقيت عدن

سوث24| قسم التحليل

منذ لحظة انقلاب الحوثيين، وهم يمضون في بناء كيانهم السياسي المستنسخ من الكيان الإيراني في المنطقة، نظام الدولة العقائدية المركزي، ما يجعل الاستقرار الأمني والاقتصادي والسياسي مهمّ لهذا الكيان، الذي يمتلك قبضة استبدادية بوجودها تنتفي الديمقراطية والحريات السياسية والعقائدية والفكرية وحقوق الإنسان عن الوجود.

 ولأنّ انعدام مصفوفة القيم الإنسانية يوافق توجهات وأهداف جماعات الإسلام السياسي، عثرت قيادات حزب الإصلاح - فرع الإخوان المسلمين في اليمن - في الجماعة الحوثية التي تسيطر على كامل جغرافيا ما كانت تعرف بـ «الجمهورية العربية اليمنية» سابقاً، ما قد يحقق تطلعاتها العقائدية من ناحية، ومن ناحية أخرى ما يُعتبر هروباً آمناً من تطلعات وأهداف «الدولة الاتحادية»  المفترضة وبرنامجها السياسي، المدفوع نحو الانفتاح على الحقوق والحريات، آنذاك.

وقد عبّرت قيادات حزب الإصلاح والقوى والعناصر الإسلامية المتشددة، في اليمن، عن ذلك أثناء انعقاد ما عرف بـ «مؤتمر الحوار الوطني اليمني» في صنعاء، في عامي 2012-2013، عندما أعلنت، برئاسة عبد المجيد الزنداني، عن «المؤتمر اليمني للحفاظ على الشريعة الإسلامية والثوابت الوطنية»، الذي تبنى رؤى سياسية وعقائدية تتعارض مع ما كان يدور في أروقة مؤتمر الحوار اليمني من آراء سياسية في طريقها لإقرار نظام ودستور دولة اتحادية يحمي الحقوق والحريات الفكرية والعقائدية والسياسية ويأتي بما اعتبرته قيادات حزب الإصلاح يخالف الشريعة الإسلامية وفق ما ترى وتعتقد.

بل وذهبت قيادات الحزب إلى أبعد من ذلك، وتبنّت دعوة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب للحوار. والتشديد على موقف، قيادة الإخوان في اليمن، «على منح القاعدة كامل الحقوق المشروعة التي يضمنها الدستور لأي مواطن يمني»، وفقاً لتصريحات نقلتها صحيفة أخبار اليوم التابعة لنائب الرئيس اليمني علي محسن الأحمر. [1]

وكان الزنداني قبل ذلك بأشهر، قد دعا اليمنيين لـ «اليقظة وحماية معتقداتهم ودينهم من دعاة الفساد والكفر.» وحذر الزنداني مما أسماه «الخطر المحدق بإسلامية الدولة اليمنية» وقال إنه سيتم التصدي لذلك.

دانت رئاسة مؤتمر الحوار الوطني، حينها، الدعوات والفتاوى التي وصفتها بـ «التكفيرية»  ضد أعضاء مؤتمر الحوار من قبل رجل الدين البارز الشيخ عبد المجيد الزنداني ونجله على خلفية الجدل الدائر في المؤتمر حول المرجعية الدينية للدولة. [2]

يجدر التذكير هنا، أنّ بيان الإدانة قرأه، حينها، نائب رئيس مؤتمر الحوار والقيادي في التجمع اليمني للإصلاح الذي ينتمي إليه الزنداني، محمد قحطان [3]، الذي لا يزال معتقلاً لدى الجماعة العقائدية الحوثية، منذ أبريل 2015. [4]


القيادي الإصلاحي المعتقل، محمد قحطان، متحدثاً لوسائل الإعلام، أثناء جلسات مؤتمر الحوار الوطني. (إعلام محلي)

أثناء انعقاد جلسات مؤتمر الحوار الوطني، كانت جماعة أنصار الشريعة فرع تنظيم القاعدة تُسيطر على محافظة أبين الجنوبية التي ينحدر منها الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي. في فيديو مسجّل بثه الموقع الالكتروني التابع لجماعة أنصار الشريعة على الشبكة العنكبوتية ظهر أمير الجماعة «جلال بلعيدي»، الملقّب بـ "أبوحمزة الزنجباري"، الذي قُتل في فبراير/ شباط 2016،  بغارة جوية أمريكية في أبين [5]، متحدثاً لمجموعة جنود من أسرى الجيش اليمني، وسألهم إذا ما كانوا يعلمون من المسؤول عن إعداد الدستور اليمني.

كانت قضية الأزمة اليمنية تُناقش في مؤتمر الحوار اليمني تحت رعاية الدول العشر وقد قُسّمت إلى مجموعة ملفات، جاء الملف القانوني والدستوري برعاية وإشراف فرنسا بينما الملف العسكري والأمني للولايات المتحدة والاقتصادي لبريطانيا. لقد كانت إشارة بلعيدي اعتراضية في سياق خطاب عقائدي يتفق تماما مع ما تطرحه الجبهة الإسلامية في صنعاء.

ينبغي الإشارة إلى أنّ الثورة الشبابية التي اندلعت مطلع العام 2011 في صنعاء ضد نظام الرئيس السابق علي صالح، تحت تأثير ما يسمى ب «ثورات الربيع العربي»، أبرزت تياراً شبابياً عريض ينتمي لحزب الإصلاح «جماعة الإخوان»، يتبنى رؤى وأفكار سياسية منفتحة في سياق التجديد الفكري والعقائدي والسياسي، مبتعدة عن التيار القيادي العتيق المتشدد والأكثر انغلاقا وراديكالية، يمكن وصفه بـ «الجناح الليبرالي» داخل الحزب، وفقاً لأدبيات الحزب نفسه، يعتقد أنّ محمد قحطان كان الموجه الرئيس لهذا الجناح.

بالمقابل توسّعت الاتهامات التي تصنّف تنظيم القاعدة بـ «الجناح العقائدي المتطرف» المحسوب على الحزب والجماعة اليمنية، بينما مراوحة الرأس القيادي لحزب الإصلاح وقدرته على التنقل بمنتهى المكر والدهاء بين هذا وذاك هو ما يمنح الجواب الحقيقي للسؤال، ما هو المقصود من الحديث عن خطر الإسلام السياسي؟

تُشير تطوّرات جبهات القتال ضد الحوثيين من جهة الشرق باتجاه مأرب حيث تتواجد جماعة الإخوان المسلمين إلى تمدّد وانتصار الحوثيين بما يدحض مشروع الدولة الاتحادية شمالاً، لصالح دولة الكيان الحوثي الإسلاموي، الأمر الذي عزز القبضة الاستبدادية للحوثيين وسمح بسريان نظام حكمهم الكهنوتي المركزي في اليمن الشمالي.

بعد حرب 2015، وبروز الدور السياسي والعسكري للمجلس الانتقالي الجنوبي خصوصاً في مجال مكافحة الإرهاب، وتحقيقه نجاحات مفصلية بدعم التحالف العربي في ذلك، عاودت علاقة «التيار الليبرالي» والعقائدي داخل حزب الإصلاح للتوافق والانسجام، خصوصاً بعد مغادرة قيادة حزب الإصلاح أراضي المملكة العربية السعودية إلى تركيا، الأمر الذي جعلها أكثر اتصالاً بجناحها الشبابي في الخارج.

هذا الالتئام والظروف السياسية الراهنة، منح قيادة الحزب قدرة ومبرر على الاتصال بجناحها العقائدي المتطرّف في الداخل، بعد أن اطمأنت للسيطرة الحوثية على شمال اليمن، لتستنفر قواها للقتال جنوباً مستخدمةً الإرهاب لإشاعة الفوضى، وتحقيق أكبر قدر من المكاسب العسكرية والأمنية، التي باءت مؤخراً بالفشل، مع توقّف المعارك في أبين، وإعلان حكومة المناصفة الجديدة برعاية سعودية [6]. لكنّ ذلك لا يعني أنّ الخطرَ قد زال.

باحث وزميل في مركز سوث24 للأخبار والدراسات، مختص بالشؤون السياسية اليمنية

الإخوان المسلمون إخوان اليمن التجمع اليمني للإصلاح الحوثيون تنظيم القاعدة