صورة أرشيفية مفتوحة المصدر للكابتن هاينز - تم تحسين جودتها بشكل طفيف من خلال تقنية الـ AI (مركز سوث24)
21-11-2025 الساعة 11 صباحاً بتوقيت عدن
|
|
"من المستحيل إنكار أن الكابتن هاينز كان رجلًا صنع نفسه بنفسه؛ مثقفًا، واسع المعرفة، شديد الذكاء، ويستحق قدرًا كبيرًا من الإعجاب. لكن نهايته كانت مريرة، كما عبّرت عنها إحدى الصحف المحلية في بومباي.."
مركز سوث24 | فاطمة جونسون
مع اقتراب الذكرى المئوية لترسيخ الهيمنة البريطانية في عدن، تحرّكت حكومة الهند البريطانية لكبح أي احتفاءٍ رسمي بمسيرة وحياة الكابتن ستافورد بيتسوورث هاينز. فعادة ما يُنسب إلى هاينز الفضل في العملية العسكرية التي أفضت إلى احتلال عدن. ومع ذلك، لا تمنحه الكثير من الأعمال التاريخية أكثر من هذا الذكر العابر؛ ففي أحد أبرز سلاسل كتب روتليدج حول دول الشرق الأوسط («جنوب اليمن: جمهورية ماركسية» لروبرت دبليو. ستوكي، والذي نُشر ثلاث مرات حتى الآن)، لا يُخصَّص لهاينز سوى أربع جُمل فقط. كما أنّ بريطانيا المعاصرة لا تحتفي به كشخصية بارزة في تاريخها الإمبراطوري [1].
وفي برقية مؤرخة في 29 أكتوبر 1936، بعث بها السكرتير الأول لحكومة بومباي إلى وزير الخارجية في حكومة الهند، ورد فيها بوضوح: «بصورة عامة، إن تاريخ الكابتن هاينز يدعو للأسى أكثر مما يدعو للفخر، ومن الأفضل عدم إحياء ذكراه."»[2]. وقبل ذلك بثلاثة عشر عامًا، في عام 1923، تلقّى الوكيل السياسي في عدن (اللواء تي. إي. سكوت) المبرر نفسه من السير إرنست هوتسون، الذي كتب إليه من ماهبالشوار في الهند موضحًا سبب وجوب منع أي مبادرة لإحياء ذكرى الكابتن هاينز.
وعند النظر إلى الأمر لأول وهلة، يبدو ذلك خيانة صارخة لرجلٍ خدم في البحرية الملكية الهندية منذ نحو الثامنة عشرة من عمره، وقضى سنواتٍ في مهام المسح البحري لسواحل جنوب الجزيرة العربية، وقام بالمهمة الشاقة المتمثلة في التفاوض على استسلام عدن، كما كان عالمًا وفنانًا مُلمًّا، وكرّس خمسة عشر عامًا إضافية من حياته لتطوير تلك المدينة التي وصفها اللورد فالنتيا، النبيل الأيرلندي، بأنها «جبل طارق الشرق»، عدن [3]. وقد وصفها هاينز بنفسه بأنها «طفلٌ تبنيته بنفسي» مؤكّدًا أنه سيظل دائمًا «يشعر باهتمامٍ عميق برفاه أهلها وتقدمهم»[4].
رسالة السير هوتسون، 1923
بدأ سقوط الكابتن هاينز من موقع النفوذ إلى هاوية العار في 26 أغسطس 1854، حين أُلقي القبض عليه من قبل شريف بومباي وزُجّ به في سجن مازاغون. وكان السبب وراء ذلك اختفاء مبلغ يُعادل نحو 3.5 مليون جنيه إسترليني بقيمة اليوم (28,198 جنيهًا إسترلينيًا في خمسينيات القرن التاسع عشر) من خزانة عدن. وقد اكتُشف العجز في سبتمبر 1852، أي بعد أربعة أشهر من قرار المحاسب العام لحكومة بومباي إجراء تدقيق في خزانة عدن - في خطوة مثيرة للدهشة جاءت بعد ثلاثة عشر عامًا من السيطرة الإمبراطورية على عدن، رغم أن عمليات التدقيق كان يفترض أن تُجرى شهريًا منذ عام 1839.
وبمجرد إجراء التدقيق أخيرًا، كشفت عمليات الفحص ولجنة التحقيق اللاحقة ليس فقط الأموال المفقودة، بل أيضًا ممارسات مالية غريبة اتبعها هاينز. فعلى سبيل المثال، اعترف هاينز بأنه سمح للتجار باستبدال الروبيات بـ «دولار ماريا تيريزا» (العملة المتداولة في الإمبراطورية الهابسبورغية)، ثم سمح لهم لاحقًا باستعادة الروبيات. وتجدر الإشارة إلى أن الروبية في ذلك الوقت لم تكن معتمدة في التجارة الداخلية باعتبارها عملة جديدة، بينما كانت دولارات ماريا تيريزا هي العملة الأكثر قبولًا واستخدامًا.
كما استخدم هاينز خدمات أحد المصرفيين يُدعى «دامجي» دون إبلاغ حكومة بومباي، بل وحصل منه على سلف مالية. إضافة إلى ذلك، قدّم هاينز قروضًا لموظفيه ولعدد من المستثمرين العقاريين - ومن بينهم من اقترض لتحسين أحد الفنادق في عدن - رغم أن الأموال المستخدمة كانت أموالًا عامة. واكتشفت اللجنة أن جميع السجلات الحسابية مكتوبة باللغة الغوجاراتية، رغم أن هذه اللغة لم تكن معروفة للجميع. وقد قدمت اللجنة، برئاسة الميجور سكوبـي والسيد أرتشيبالد روبنسون، تقريرها إلى حكومة بومباي، التي خلصت إلى أنّ هاينز ارتكب عملية احتيال. وفي 22 فبراير 1854 تم إبلاغه بإعفائه من منصبه كوكيل سياسي لعدن، مع توجيهه للمثول أمام الحكومة في بومباي. لا شك أن هذا القرار جاء صادمًا للرجل الذي حكم عدن فعليًا لمدة خمسة عشر عامًا، والذي كان يعتقد أن أقصى ما قد يواجهه هو اللوم بشأن الأموال المفقودة. مستخدمًا كلمة «wigging» (تأنيب بسيط)، التي أصبحت الآن جزءًا من الإنجليزية القديمة.
كان هاينز بارعًا في الإدارة السياسية والاستراتيجية العسكرية، إلا أنّ الشؤون المالية لعدن فضحت عدم نضجه في هذا المجال. ومن المفارقات أنه، رغم خطورة التهم الموجهة إليه، وصل إلى بومباي في أبريل 1854 محمّلًا بـ49 سروالًا، و33 قميصًا جديدًا، و13 كيسًا للوسائد، إلى جانب الكثير من المتاع الفاخر- مما يعكس مدى ابتعاده الكلي عن حساسية الموقف - وقد سُلبت منه سلطته بعد ذلك [5].
عادة ما يجرى تناول تاريخ الكابتن هاينز عادة بعبارات جافة: رجلٌ أمضى خمسة عشر عامًا من الخدمة الناجحة في عدن كإداري وممثل سياسي، ومؤسس أول موطئ قدم للإمبراطورية البريطانية في عهد الملكة فيكتوريا، وهو موقع اكتسب أهمية كبرى في خطوط الاتصال البحرية البريطانية مع الشرق [7]. ورغم صحة كل ذلك، فإنه يخفي جانبًا آخر من شخصيته. فكثيرًا ما يُساء تصويره أحيانًا باعتباره “مغامرًا جسورًا” (7). لكن السجلات تثبت أن من قاد القوة المشتركة من الجنود والبحّارة الذين اقتحموا عدن لم يكن هاينز، بل الكابتن سميث، والكابتن ج. م. ويلوبي، والميجور ت. بايلي. وقد استخدم هؤلاء مدافع من النحاس والحديد، وقُتل أربعة جنود وجُرح عشرة من الجانب البريطاني (من بينهم «بيهِسْتي» من قبيلة هندية مسلمة تزعم انحدارها من عباس بن علي).
قد يكون سميث ويلوبي وبايلي هم من نفّذوا العملية العسكرية المطلوبة، لكن ما قام به هاينز هو تولّي الإدارة السياسية اللازمة لعدن. ففي 22 يناير 1839، كتب هاينز إلى سكرتير حكومة بومباي يبلغ فيه أن أولى خطواته كانت “تشجيع سكان عدن على مزاولة أعمالهم المعتادة”، وأنه راسل السلطان حسين وحامد، وكذلك زعماء قبائل العزيبي، والعقربي، والحوشبي، عارضًا تزويدهم بالمساعدة الطبية وتوفير تبادل حر داخل عدن. وتشير الرسالة نفسها إلى أن هذه الجهود كانت “ناجحة تمامًا”، وأن زعماء القبائل عبّروا جميعًا عن موقفٍ ودي تجاهه، وأرسلوا الإمدادات والجمال لمخازن الحكومة. أما الإجراء الثالث لهاينز فكان الكتابة إلى مختلف الموانئ الساحلية وإبلاغها بأن عدن باتت مفتوحة للتجارة بوصفها ميناءً بريطانيًا [8].
بعيدًا عن الصورة الشائعة لرجال الإمبراطورية بوصفهم مجرد مغامرين، كان هاينز متمكنًا بعمق من العلوم والفنون. فقد انخرط خصوصًا في العلوم التطبيقية ورسم الخرائط. وقد قدّم أبحاثًا جغرافية لـ الجمعية الجغرافية في بومباي [9] شملت رصد المد والجزر ومتابعة الظواهر الجوية. كما وضع وأسهم في وضع عدد كبير من الخرائط منذ عام 1828.
في ذلك العام، نفّذ مسحًا تطلّب خبرة واسعة في الهيدروغرافيا الخاصة بسواحل الجزيرة العربية، مستخدمًا مبادئ علم المثلثات لإنشاء شبكة نقاط تمتد من رأس جبرهندي إلى رأس سواتي [10]. كما أنجز مسحًا آخر لمدخل الخليج الفارسي [الخليج العربي - اليوم] وساحل الجزيرة العربية من رأس جبريندي إلى مسقط في الفترة نفسها، ونُشر لاحقًا عام 1831 (11). وفي عام 1835، نُشر مسح مثلثي آخر لجزيرة سقطرى أجراه هاينز، وذلك على يد أحد مختصي الخرائط البحرية في شركة الهند الشرقية. وقد تضمّن هذا المسح خريطة فرعية تُظهر جزيرتي سمحة ودرسة، مع ملاحظات عن الغطاء النباتي وطبيعة التضاريس ومواقع “كهوف البدو”، إضافة إلى قياسات أعماق المياه الموضّحة بالأرقام [12].
وتظهر دراسة خريطة أعدّها الكابتن هاينز عام 1850 بوضوح أنه كان رسّامًا ماهرًا قادرًا على إنتاج خرائط تضاريسية دقيقة. فالخريطة المرسومة بالحبر على قماش شفاف، والتي تغطي الجزء الجنوبي الغربي من شبه الجزيرة العربية من الحديدة إلى وادي ميفعة، استخدمت خطوط الانحدار التضاريسي لتمثيل شدة انحدار الجبال والمرتفعات، كما تضمنت معلومات عن الإنتاج الزراعي ومناطق نفوذ القبائل [13]. وفي عام 1845، نشرت الجمعية الجغرافية الملكية خريطة منقوشة وضعها هاينز لمسح أجراه عام 1839 لجزء من الساحل الجنوبي الشرقي للجزيرة العربية. وقد اكتسب هذا العمل أهمية خاصة لأن المنطقة التي مسحها لم تكن قد سُجّلت أو رُسمت لها خرائط من قبل، وتظهر في الخريطة منطقة وُصفت بأنها “غير مستكشفة”. تظهر خطوط الـ الانحدار التضاريسي في هذه الخريطة كما في خرائطه الأخرى، إلى جانب الإشارة إلى القرى والبحيرات العذبة والأراضي المروية. وتمتد الخريطة من وادي المسيلة إلى جبل صفّان، كما تُظهر جزيرة مصيرة وخليج خوريا موريا (عُمان). وتسبق هذه الخريطة افتتاح قناة السويس (1869) بأكثر من عقدين، ما يجعلها مصدرًا أوليًا نادرًا. وقد اشترتها المؤلفة [فاطمة جونسون] مؤخرًا من بائع كتب قديمة في فيينا يحتفظ بمصادر نادرة أخرى مرتبطة بالكابتن هاينز.
إن خرائط الكابتن هاينز تمثل في الوقت نفسه معادلات علمية دقيقة وتحفًا فنية بالغة الجمال. والأهم من ذلك أنّ إنتاجه المعرفي الغزير يبدو واقعًا في موضعٍ وسط بين ادعاء إدوارد سعيد في الاستشراق بأن المعرفة البريطانية في القرن التاسع عشر كانت جزءًا لا ينفصل عن فرض القوة الإمبراطورية، وبين أطروحة روبرت إيروين في من أجل شهوة المعرفة: المستشرقون وأعداؤهم التي تقول إن الدافع كان في جزء كبير منه هوسًا مشتركًا بالبحث العلمي. وكما يذكر إيروين:
«لقد أصبح عدد متزايد من الباحثين عمومًا مقتنعين بأن المعرفة تُبنى اجتماعيًا، وأن تطورات معقدة تساهم في تشكيل فهمنا للعالم.» [14]
مسح جزء من الساحل الجنوبي الشرقي للجزيرة العربية، نُشر عام 1845، تم إعداد هذه الخريطة بواسطة الكابتن هاينز، واشترتها المؤلفة من بائع كتب في فيينا
كان هاينز يُبدي اهتمامًا بالغًا بأي قطع أثرية تُكتشف في عدن. فعندما عثر المهندس التنفيذي في عدن، الملازم جون أدي كيرتس، على نقش بخط المسند (الخط العربي الجنوبي القديم – الحميري) محفور على قطعة من الرخام المتكوّن من الصواعد، المصقول والمقطوع بعناية، إلى جانب سبع عملات ذهبية وُصفت بأنها «عملات إسلامية ذهبية» وكان يُعتقد في البداية أن عمرها نحو 340 عامًا، انشغل هاينز - وقد استبدّت به روح الباحث الأثري - بنسخ النقش الحميري بنفسه، وأرسل النسخة مع رسالة إلى حكومة بومباي بتاريخ 29 سبتمبر 1842.
وأُمِر بشحن قطعة الرخام ونقلها إلى القسم الفارسي في بومباي لفحصها، كما أُرسلت العملات الذهبية أيضًا. وتمّ تزويد الجمعية الآسيوية الملكية بمعلومات حول هذه المكتشفات، وتولّى القسم الفارسي ترجمة وقراءة النقش الموجود على العملة الوحيدة التي أمكن فهم كتابتها، وقد حملت العبارة:
«لا إله إلا الله ومحمدٌ رسول الله… السلطان الملك النبيل 1125».
وفي 14 نوفمبر 1842، تلقّى هاينز تعليمات بضرورة إرسال أي آثار أو مكتشفات مشابهة يُعثر عليها في عدن لاحقًا [15].